أحمد بن محمود السيواسي
292
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة الحجر ( 15 ) : آية 26 ] وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ( 26 ) ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ ) أي آدم ( مِنْ صَلْصالٍ ) أي من طين مصوت من صل إذا صوت من اليبس عن نقره ، وقيل : « الصلصال هو الطين الذي إذا نضب عنه الماء تشقق وإذا حر تقعقع » « 1 » ، وقيل : « هو الطين المنتن » « 2 » ، من صل اللحم إذا أنتن وفسد ، قوله ( مِنْ حَمَإٍ ) محله جر صفة « صَلْصالٍ » ، جمع حمأة وهو الطين الأسود ( مَسْنُونٍ ) [ 26 ] أي متغير الرائحة أو ما أتته السنون أو مصور أو مصبوب مفرغ من سننت الماء إذا صببته ، يعني مفرغ من الطين الإنسان كما يفرغ النحاس من الجواهر في صورة إناء وغيره ، روي : أن اللّه تعالى خمر طينة آدم وتركه حتى صار متغيرا أسود ثم خلق منه آدم عليه السّلام « 3 » . [ سورة الحجر ( 15 ) : آية 27 ] وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ ( 27 ) ( وَالْجَانَّ ) وهو أبو الجن كما أن آدم أبو البشر ، وقيل : هو إبليس أبو الشياطين « 4 » ( خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ ) أي قبل آدم ( مِنْ نارِ السَّمُومِ ) [ 27 ] وهي ريح حارة فيها نار تدخل مسام الإنسان فتقتله ، وقيل : هي نار بين السماء والحجاب ، فإذا أحدث اللّه أمرا أخرقت الحجاب فهوت إلى ما أمرت والصوت الذي تسمعون خرق ذلك الحجاب ، والصاعقة منها « 5 » ، قيل : الجن فيهم مسلمون وكافرون ويحيون ويموتون ويتوالدون ويأكلون ويشربون بمنزلة الآدميين وأما الشياطين فليس فيهم مسلمون ويموتون إذا مات إبليس « 6 » ، وروي : « أن إبليس من حي من الملائكة يقال لهم الجن خلقوا من نار السموم وخلق الجن الذين ذكروا في القرآن « مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ » « 7 » ، « وأما الملائكة فهم خلقوا من النور » « 8 » ، وقيل من نفس إسرافيل « 9 » . [ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 28 إلى 29 ] وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ( 28 ) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ( 29 ) ( وَإِذْ قالَ رَبُّكَ ) أي اذكر وقت قول ربك ( لِلْمَلائِكَةِ ) أي ملائكة الأرض الذين هم مع إبليس سكان الأرض ( إِنِّي خالِقٌ ) أي سأخلق ( بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [ 28 ] فَإِذا سَوَّيْتُهُ ) أي أتممت خلقته وهيأتها لنفخ الروح فيه ( وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ) أي أحييته وليس ثمة نفخ ، لأنه محال على اللّه ، بل هو تمثيل لإلقاء حيوة في شيء ليحيى ، والروح جسم لطيف يحيى به الإنسان ، وأضافه إلى نفسه تشريفا لآدم ( فَقَعُوا ) أمر ، من الوقوع ، أي فخروا ( لَهُ ) أي لآدم ( ساجِدِينَ ) [ 29 ] سجدة تحية لا سجدة عبادة وهي للّه تعالى . [ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 30 إلى 31 ] فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ( 30 ) إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ( 31 ) ( فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ ) الذين أمروا بالسجود ( كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ) [ 30 ] ذكر كلاهما تأكيدا ، لأن من المحتمل أنه سجد بعضهم فذكر كلهم ، ومن المحتمل أنهم سجدوا متفرقين في أوقات مختلفة فدفع ذلك بذكر « أَجْمَعُونَ » ، قيل : « إن اللّه قال لجماعة من الملائكة لم يكن إبليس معهم اسجدوا لآدم ، فلم يفعلوا فأرسل اللّه عليهم نارا فأحرقتهم ، ثم قال لجماعة أخرى فيهم إبليس : اسجدوا لآدم » « 10 » ، فسجد الملائكة ( إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى ) أي امتنع عن ( أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ) [ 31 ] تعظيما واستكبارا عن السجود لآدم مع الملائكة . [ سورة الحجر ( 15 ) : آية 32 ] قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ( 32 ) ( قالَ ) اللّه تعالى ( يا إِبْلِيسُ ما لَكَ ) أي أي داع لك إلى ( أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ) [ 32 ] أي مع الملائكة في
--> ( 1 ) عن ابن عباس ، انظر البغوي ، 3 / 400 . ( 2 ) عن مجاهد ، انظر البغوي ، 3 / 400 . ( 3 ) أخذه عن البغوي ، 3 / 400 . ( 4 ) نقله المفسر عن البغوي ، 3 / 400 . ( 5 ) نقله المؤلف عن البغوي ، 3 / 401 . ( 6 ) أخذه عن البغوي ، 3 / 400 . ( 7 ) الرحمن ( 530 ) ، 15 . ( 8 ) عن ابن عباس ، انظر البغوي ، 3 / 401 . ( 9 ) ولم أجد له مرجعا في المصادر التي راجعتها . ( 10 ) عن عكرمة وابن عباس ، انظر البغوي ، 3 / 402 .